رقم الخبر: 300084 تاريخ النشر: كانون الأول 26, 2020 الوقت: 14:44 الاقسام: مقالات و آراء  
بعد الفشل امام طهران.. العراق والهدف الاميركي البديل

بعد الفشل امام طهران.. العراق والهدف الاميركي البديل

عندما بدأت الحرب الاميركية على سوريا في العام 2012 كان الهدف منها قلب المشهد السياسي والاستراتيجي في سوريا من دولة ذات عمق للمقاومة في لبنان الى بقعة جغرافية هشة تتناول المجموعات الارهابية المسلحة اطرافها، ومن ثم العمل انتقال هذه المجموعات من سوريا الى العمق اللبناني لاستهداف المقاومة في الصميم، محققة في ذلك هدفين مهمين.

 الاول في القضاء على المقاومة في لبنان تحت عنوان حرب سنية شيعية، والثاني هو وصل الخط العامودي بين تركيا في الشمال والاردن والسعودية والكيان الصهيوني في الجنوب، وفي المقابل قطع الخط الافقي لمحور المقاومة بين الجمهورية الاسلامية في ايران وبيروت وحركات المقاومة في شرق المتوسط، ولهذا الامر اسند لتركيا دور دعم المجموعات المسلحة في الشمال السوري والاردن والكيان الصهيوني بالاضافة الى السعودية في الجنوب السوري، هذه الاستراتيجية كادت ان تنجح لولا الدور الروسي والايراني الفعال من جهة ومن جهة اخرى العمليات الاستباقية التي شنها حزب الله ضد المجموعات المسلحة انطلاقا من الجغرافيا اللبنانية.

هذا الدور ادى الى افشال نقطة الانطلاق الاميركية في اعادة تطبيق مشروع الشرق الاوسط الجديد بعد فشله في العام 2006، عبر اسلوب الجيل الرابع من الحروب غير المتماثلة لتحويل سوريا من قلب جبهة الصراع مع الكيان الصهيوني والهيمنة الاميركية على منطقة غرب اسيا، الى مركز لضرب كل عناصر القوة في المعركة ضد الكيان الصهيوني، الدور الذي حصل دفع الاميركي الى الانتقال من مبدأ السيطرة على كل سوريا الى السيطرة على الجغرافيا الحيوية في سوريا وهو عمق البادية الواسعة من تخوم دمشق حتى الحدود العراقية الغربية، وقتذاك لمع الحديث عن سوريا المفيدة، لكن فوجىء الامريكي باستمرار الدور الروسي والايراني بالاضافة الى المقاومة الاسلامية في لبنان مع الجيش السوري باستهداف كل الوجود الذي يخدم هذا الهدف الامريكي، عندها وجد الامريكي نفسه في مأزق، ورأى أن استدامة هذا الواقع  قد يذهب بكل المشروع الى الفشل .

في العام 2014، وكردّ عكسي على النتائج  في سوريا، عمدت الولايات المتحدة الامريكية على إدخال تنظيم داعش من سوريا وبالعكس الى العراق، إذ دخل تنظيم مدينة الموصل واستولى على كبرى محافظات العراق في الانبار والرمادي حتى وصل الى تخوم بغداد في جرف الصخر والمحافظات  الجنوبية بالاضافة الى تهديد أربيل وبالتالي الاقتراب الاستراتيجي من الحدود الايرانية من جهة ومن جهة أخرى قطع الخط الافقي مجددا بين طهران وبيروت ودمشق وإحياء الخط العامودي بين تركيا وحلفاء أمريكا في منطقة الخليج الفارسي، بعد هذا الأمر، تحركت كل  من الجمهورية الاسلامية وروسيا توازيا مع فتوى تأسيس الحشد الشعبي،في العراق، وبدأت حرب تحرير الجغرافيا العراقية  من تنظيم داعش حتى الحدود السورية، قابلها تطهيرا ايضا على الجغرافيا السورية من تخوم العاصمة دمشق في تدمر حتى دير الزور والبوكمال بالاضافة الى تحرير سلسلة جبال لبنان الشرقية من هذا الوجود ايضا وبات الخط الافقي مؤمّن بين طهران وبيروت ولكن بشكل ضيق لكن فعّال بعد التدخل الامريكي شرق الفرات في سوريا ودعم قوات سوريا الديمقراطية هناك دون التمدد الى الجنوب فيه وبالتالي بقاء الالتقاء الاستراتيجي بين الجمهورية الاسلامية في ايران وحركات المقاومة وسوريا شرق المتوسط .

هذا الواقع بالنسبة للامريكي والاسرائيلي شكّل معضلة، ففشل هذا المشروع  ودفع تركيا الى اعادة تعديل سلوكها مع طهران وموسكو، مما أقلق واشنطن حتى وصل الامر بالانقلاب على اردوغان عبر فتح الله غول الفاشل، رد على ذلك سياسة العقوبات والتباعد مع انقرة ان كان على الصعيد الامريكي او الاوروبي، بالاشارة الى صفقة ال s400  والتدخل ضد الاكراد في الشرق السوري بالاضافة الى الانزعاج الامريكي من السلوك التركي في اتفقيات استانة، المعضلة  هذه، منعت امريكا من التفوق على محور المقاومة، فهي لا تستطيع ضرب المقاومة الاسلامية في لبنان فالأمر شديد الخطورة على الكيان الصهيوني، وفشلت في استهداف الجيش السوري، ولا تستطيع الذهاب بشن حرب على الجمهورية الاسلامية في ايران وبعد كل ما تقدم بقي امام الولايات المتحدة خيارها الاكثر قابلية للتحقق وهو الجغرافيا العراقية.

منذ عام تقريبا تعمل واشنطن على اثارة الفوضى السياسية في العراق، واستهداف الحشد الشعبي هناك بكافة الوسائل المتاحة دون الصدام المباشر مع الجمهورية الاسلامية وبالتحديد بعد اغتيال الشهيد سليماني وأبو مهدي المهندس إذ ردت طهران على ذلك ردا استراتيجيا قاسيا في عين الاسد أفقد واشنطن هيبتها في منطقة غرب آسيا، والذي اعتبره المسؤولون في موسكو وبكين انكشاف عورة الضعف الامريكي في المنطقة، فالاسلوب الامريكي المعتمد اليوم في العراق هو تأزيم الوضع السياسي والاقتصادي في العراق، والعمل على توفير الظروف المثالية لتدخل مباشر وقوي ضد الحشد الشعبي، فالحشود العسكرية الامريكية في منطقة الخليج الفارسي ليس موجها على الاطلاق ضد طهران لالعدم  قدرة واشنطن توجيه اي نوع من الضربات ضدها، فليست قاذفات البي 52 الاستراتيجية قادرة على دخول الاجواء الايرانية المحصنة برادارات وبطاريات دفاع جوي محكم و متطور، اضف الى ذلك حصانة ايران بواسطة القوة البحرية في منطقة الخليج الفارسي والتي تستطيع من خلالها تعطيل كل القطع البحرية الامريكية وعدم جدوى بقائها، زيادة على ذلك القوة البالستية الايرانية المهددة بشكل جدي وفعال لكل منظومة التواجد الامريكي في المنطقة، ومن هذه الاشكالية سوف يكون  الحشد الشعبي الهدف الامريكي الاول وبشكل واسع في الايام والاسابيع المقبلة لسببين مهمين :

أولا: إن الولايات المتحدة  الامريكية وفي هذه المرحلة  الحساسة وفي ظل أزمتها السياسية والاقتصادية تبحث عن انجاز  قليل الكلفة وسريع التحقق، فالواقع السياسي في العراق شديد الخطورة بالاضافة الى سيطرة امريكية نوعية على مراكز صنع القرار العراقي السياسي، وحيثيات جمهور المجتمع المدني العراقي (الجوكر) في ساحات بغداد والتي تعمل يوميا ضد الحشد الشعبي والمقاومة في العراق، علاوة على ذلك موقف بعض الاحزاب والجهات في لعبة السياسة في العراق.

ثانيا: تعتبر حركات المقاومة في العراق والحشد الشعبي قوة أعطت نتائج مهمة في حربها على الارهاب بالاضافة الى كونها عنصرا مهما في إخراج قوات الاحتلال الامريكي منه، تعتبر غير محصنة جيدا عند استهدافها عبر القاذفات الامريكية والصواريخ الموجهة من مياه الخليج الفارسي، إذ يعتبر هذا الاسلوب قد نجح في العام 2003 نجاحا سريعا وقد يكون عاملا مهما في اعتماد عقيدة الصدمة كما تقول نعومي كلاين في توثيقها لاحتلال العراق آنذاك والحسم على الجغرافيا العراقية دون الاحتكاك مع طهران حسب رأي الامريكيين قد يعطي نتائج جيدة  وسريعة .

إنّ هذا النجاح على الجغرافيا العراقية، يؤدي الى نتائج بالغة الخطورة على ساحة غرب آسيا وتأثيرا سلبيا وقويا ضد محور المقاومة، فسقوط العراق تحت السيطرة الامريكية يخرجه من معادلة القوة لشعوب المنطقة، ويحوله الى باحة للمجموعات الارهابية شرقا عبر إعادة تمدد تنظيم داعش في الجغرافيا السورية واعادة الواقع السوري الى نقطة الصفر، اما على الحدود الغربية مع الجمهورية الاسلامية، فستعمل امريكا على استغلال العمق العراقي بإثارة القلاقل على الحدود مع كردستان ايران شمالا والاهواز الايرانية جنوبا لتكتمل الحلقة مع الشرق الايراني عند أفغانستان والشمال الايراني مع أذربيجان . هذا أولا أما ثانيا فإن فصل الجغرافيا السورية عن إيران بالعراق يؤدي الى قطع الخط الافقي بين محور المقاومة والتي من شأنها أن تكون سببا في إخراج الدعم الايراني الفعلي لسوريا وحركات المقاومة في شرق المتوسط بالاضافة الى وصل الخط العامودي بين تركيا و دول الخليج الفارسي والذي يؤدي الى إحياء فكرة أنابيب السلام التي طرحها الرئيس التركي الراحل تورغوت اوزال والتي من شأنها أن تعود تركيا الى الحضن الامريكي الصرف علما أن هذا الامر متداول في الصحف التركية .

بعد الفوضى التي ينظمها الامريكي في العراق، قد يكون هناك دور لقوات عربية مطبّعة مع الكيان  الصهيوني كالاردن عبر الانبار والسعودية وغيرها في الجنوب العراقي، وبهكذا سينالريو يكون الامريكي قد أدخل العراق ضمن منظومة السيطرة الامريكية الكلية، فيما يتبقى الجزء الثاني بعد العراق وهو في لبنان، وقد أشرت الى هذا الامر في مقالة نشرت في جريدة الوفاق الايرانية تحت عنوان "إنها الحرب الاخيرة على حزب الله" بتاريخ 12\8\2020، والتي ذكرت فيها وقتذاك الامر المناط لفرنسا بعد انفجار مرفأ بيروت .

  ختاما، إن هذا الامر اذا ما  حصل سيعطي دفعا مهما في معركة دونالد ترامب في البيت الابيض، كما سيعطي مسار الدول المطبّعة مع الكيان الصهيوني قوة لا تنحصر في التطبيع الثقافي والاقتصادي فحسب بل يتعداه الامر على الصعيد العسكري، وسيجعل كل تضحيات محور المقاومة تذهب أدراج الرياح، بالاضافة الى تحكيم سيطرة واشنطن  على المناطق الحساسة في غرب آسيا تمهيدا لاستهداف الجمهورية الاسلامية من الجهات الاربع، بعد الانتهاء من  هذا المشروع، لذا لا ينبغي النظر الى الحشود الامريكية في منطقة الخليج الفارسي من زاوية التهويل فقط، بل النظر الى عمق مفهوم التحرك الامريكي مع التصريحات في واشنطن على الصعيدين الخارجي والداخلي اذا ما أشرنا الى كلام الرئيس الامريكي دونالد ترامب حول الاحكام العرفية في امريكا وتهديده ايضا بالرد على استهداف القوات الامريكية في العراق، كما ينبغي التنبه لتحركات القوات الامريكية التي تبتعد عن قدرة استهدافها في المقاومة العراقية والتي تنسحب يوميا الى الجغرافيا السورية وتدعيمها بواسطة  أرتال من الآليات المعتمدة في المعارك البرية، يريدون الحرب ضد الحشد فقط فلتكن في كل المنطقة، فإستهداف الحشد والمقاومة العراقية هو إسقاط لقوة محور المقاومة تدريجيا وعلى شكل مراحل لن ينتهي في العراق فحسب بل سيمتد مجددا الى سوريا وإطباق الحصار الاقتصادي عليها بالإشارة الى قانون قيصر وإشغال طهران بحدودها مع مجموعات منافقي خلق والمجموعات التكفيرية، للوصول الى نقطة ضعف ترغم الجمهورية الاسلامية في إيران للحديث حول الملف البالستي قبل النووي .

 

                                                                               

 

بقلم: ربيع حكمت غصن  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/0775 sec